أبي منصور الماتريدي

130

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والشدائد ، ويكون قوله : رَأَوْهُ كناية عن ذلك اليوم ، فذكر ؛ لأن اليوم مذكر ، وجعل « زلفة » بلفظ التأنيث ؛ لأنها كناية عن الأهوال التي تكون في ذلك اليوم . وجائز أن يكون قوله : زُلْفَةً ، أي : رأوا تلك الأهوال والشدائد قريبة عن الأوقات التي وعدوا فيها ، فعلموا أنها كانت قريبة منهم وإن كانوا يستبعدونها في هذا اليوم ، وهو كقوله : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها [ النازعات : 46 ] ، وقال : وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً [ البقرة : 165 ] . وكذلك إذا رأوا شدائد ذلك اليوم وأهواله ، علموا أن الوقت الذي كان يوعدهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم كان قريبا منهم . وقوله : سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا . فسيئت ، من ساءت ، أي : ساءت وجوههم ، أو قبحت وجوههم بتغير ألوانها . وقوله - تعالى - : وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ . قال أبو بكر الأصم : معناه : تمنعون وتدفعون كقوله تعالى : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ [ قريش : 2 ] ، وقوله : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ الطور : 13 ] ، أي : دفعا . وليس الأمر كما ذكره ؛ لأنه لو كان من الدفع والمنع ، لكان حقه أن يشدد العين ، لا الدال كما شددت في قوله : يَدُعُّ الْيَتِيمَ ، فإذا شددت الدال دون العين ، ثبت أن اشتقاقه ليس من « الدع » ، ولكنه من « الادعاء » ؛ إذ الدال هي المشددة ؛ فتأويله - والله أعلم - : هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ ، أي : هذا الوقت الذي كنتم تكذبون رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم وتدعون عليه أنه كاذب في الإخبار . وجائز أن يكون قوله : تَدَّعُونَ ، أي : تدعون ، وقد يستعمل الادعاء مكان الدعوة ؛ كما يقال : ذكر واذّكر ، وخبر واختبر . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ . ففي هذه الآية دلالة أن في حكمة الله مشيئة المغفرة والعقاب لمن ارتكب غير الكفر من الزلات ، وإيجاب العقاب على من اعتقد الكفر والتزمه ، وأن ليس في الحكمة عفو مثله من العقوبة ؛ لأنه قال : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فأثبت فيه خيار الإهلاك ومشيئة الرحمة والمغفرة ، ومعلوم بأنه يهلك ومن معه أو يرحم عندما يبتلى بالزلات ؛ وكذلك قال : إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [ النساء : 48 ] ؛ فجعل لنفسه مشيئة المغفرة لمن توقّى الكفر ، وحكم بإيجاب العقاب على من أشرك به .